الاثنين، 30 أغسطس 2010

المؤخرة والمقدمة

ذكر لى أحدهم : أن هذه الأمّة فقدت كثيرا عندما حولت أنظارها عن مقدمة ابن خلدون الى مؤخرة هيفاء وهبى ، قلت له : لا ، ياسيدى ، أن هذه الأمة أبدا لم تلتفت الى مقدمة ابن خلدون ، فهى ابدا لم تعرف الا المؤخرات ، سواء مؤخرة هيفاء حديثا ، أو مؤخرات لغيرها كثيرات قديما ، ولكنى – سيدى الفاضل - ليس معك فى أن ترك مقدمة أبن خلدون ، وتحويل الأنظار الى المؤخرات – قديما كانت أم حديثا - هو السبب فيما وصلت اليه هذه الأمة .
وأختلافى هذا معك ، مرجعه لسببين ، أما عن الأول ، فان جميع البلاد المتقدمة لا يوجد عندهم مقدمة ابن خلدون ، ومع ذلك هم فى قمة الرقى والتحضر ، وفى قمة العلم والتكنولوجا ، وفى قمة الصحة والنضارة واللياقة والوجاهة ، وفى قمة التفاؤل والبهجة والسعادة ، ومن ثمّ ، لا يعتبر ترك الأمة العربية لمقدمة ابن خلدون سببا من أسباب تدهور احوالها ، وفساد أخلاقها ، وقلة حياءها وانتشار الجهل بين ربوعها والخسة فى طباعها ، نعم لا يمكن أن يكون ترك مقدمة ابن خلدون سببا للظلام التى دفنت فيه الشعوب العربية نفسها .
أما عن السبب الثانى ، لأختلافى معك ، أن الرجال فى البلاد المتقدمة لا ينظرون للمرأة على انها مصدر للمتعة ، ولكنهم ينظرون لها على انها انسان ، بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، فالأنسان فى البلاد المتقدمة ، رجل كان ام امرأة ، له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات ، ومن ثمّ ، فالمتعة لا يسعى اليها الرجل دون المرأة ولا العكس ، فهذه غريزة طبيعية مثل باقى الغرائز ، احتياج الرجل لها كاحتياج المرأة ، فالرجل لا يبذل الغالى والنفيس للحصول على هذه الغريزة ، ولكنها سهلة المنال كأى مطلب آخر ، وبالتالى ، لايوجد مؤخرات ، تلهى عن العمل الجاد ، أو تعرقل نجاحا قادما ، أو تعوق شابا عن مواصله كفاحه ونجاحه ، ولا يوجد مؤخرات تسرح فيها العقول قبل العيون ، ولاتوجد مؤخرات تهرول وراءها الكاميرات وتتعلق بها الأقلام ويغوص فيها السكارى .
فبرغم ما فيه المجتمعات المتقدمه من اشباع لكافة الغرائز ، الا أن ذلك لم يعوق تقدمها ، ولم يعرقل مساعيها فى المجالات المختلفة ، سياسيا واقتصاديا وعلميا وأجتماعيا أوحتى رياضيا وفنيا وترفيهيا ، فنجد هذه المجتمعات فى المقدمة دائما فى كافة المجالات ، لدرجة ان اى مواطن عربى يتمنى أن يعيش فى اى دول من هذه الدول ، ليس فقط لتقدمها فى كافة المجالات ولكن ايضا بسبب ما تتمتع به هذه الدول ، من حرية واسعة فى مختلف نواحى الحياة ، ومع العلم ايضا أن هذه الدول ، بدأت مؤخرا فى وضع العراقيل امام أى عربى يريد حتى زيارتها ، وأسباب ذلك ، معروفة للجمبع ، وخصوصا بعد الحادى عشر من سبتمبر .
اذن نستنتج مما سبق ، أن ترك مقدمة ابن خلدون والهرولة خلف المؤخرات ، لم يكونا أبدا سببا فيما وصل اليه العرب من اضمحلال وتفكك وتخلف ، ومن السهل أيضا أن نستنتج ان ترك مقدمة أبن خلدون ، والألتفات الى المؤخرات ، لم يكن ابدا سببا ، ولكنه نتيجة من النتائج الكثيرة ، والتى من بينها على سبيل المثال ولبس الحصر ، تعاظم الرزيلة ، وأضمحلال الفضيلة ، قتل المعانى الجميلة السامية ، وأحباء كل ماهو قبيح ومقزز للنفس والروح ، أنتصار البلطجة وتعاظمها ، وهزيمة السمو والتحضر ، هجر وتسفيه العلم والعلماء ، وأحتضان الجهلاء والسفهاء ، قتل الأنسان والأبقاء على هيكله ليعيش فيه كحيوان ، بأكل ويشرب وينام ، ولكنه لا يفكر ولا يعقل ولا يأخذ قرار .
أما أذا سألتنى عن السبب الرئيسى فيما وصل اليه العرب من اضمحلال وتفكك وتخلف وجهل ومرض وحقد ، فان السبب واضح وجليّ ، ومعلوم غير مجهول ، ومزروع فى النفوس بعد أن قيد العقول ، ومسيطرعلى الأفئدة بعد أن ربط الألسنة ، نعم أنه كالسهم المسموم ، يخترق الأبدان والعقول ويدمّر الأرواح والنفوس ، أنه كالنار فى الهشيم ، لا يفرق بين صغير أو كبير ، أنه كالشيطان اللئيم لم ولن يرحم عدو أو حميم .
وهنا ، سألنى محدثى - وفى وجهه بعض علامات الدهشه – قائلا : وماذا عن هذا السبب ايضا ؟ أبن وأفصح ووضح ، ولماذا تتكلم عن شئ ولا تذكره بعينه ؟ لماذا تحوم حوله ولا تقبض عليه ؟ ، انه مجرم أثم ، انه قاتل ، لماذا تتستر عليه ؟
قلت لمحدثى : سأسوق اليك بعض مما قاله عميد الأدب العربى ، الدكتور طه حسين ، فى كتابه الشهير ( فى الشعر الجاهلى ) ، حيث أنه كان يشرح طريقته فى البحث ، للوصول الى الأسباب والنتائج ، فقال :
" أحب ان أكون واضحا جليا ، وأن أقول للناس مأريد أن أقول دون أن أضطرهم الى أن يتأولوا ويذهبوا مذاهب مختلفة فى النقد والتفسير والكشف عن الأغراض التى أرمى اليها ، أريد ان أريح الناس من هذا اللون من ألوان التعب ، وأن اريح نفسى من الرد والدفع والمناقشة فيما لا يحتاج للمناقشة ، أريد أن أقول أنى سأسلك فى هذا النحو من البحث ، مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما تناولون من العلم والفلسفة ، أريد أن أنتهج المنهج الفلسفى الذى أستحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء فى أول هذا العصر الحديث . والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج ، هى أن يتجرد الباحث من كل شئ كان يعلمه من قيل ، وأن يستقبل موضوع بحثه خالى الذهن مما قيل فيه خلوا تاما .
نعم يجب حين نستقبل البحث عن تاريخنا العربى ، أن ننسى قوميتنا العربية وكل مشخصاتها ، وأن ننسى ديننا وكل مايتصل به ، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين ، يجب الا نتقيد بشئ ولا نزعن لشئ ألا مناهج البحث العلمى الصحيح .
تلك ، أنّا أذا لم ننسى قوميتنا وديننا وما يتصل بهما ، فسنضطر الى المحاباة وأرضاء العواطف ، وسنغل عقولنا بما يلائم هذا القومية وهذا الدين ، وهل فعل القدماء غير هذا ؟ وهل أفسد علم القدما شئ غير هذا ؟
كان القدماء عربا متعصبون للعرب ، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب ، فلم يبرأ علمهم من الفساد ، لأن المتعصبين للعرب غلوا فى تمجيدهم وأكبارهم ، فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم ، ولأن المتعصبين على العرب غلوا فى تحقيرهم وأصغارهم ، فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضا .
كان القدماء مسلمين مخلصين فى حب الأسلام ، فأخضعوا كل شئ لهذا الأسلام وحبهم أياه ، ولم يعرضوا لمبحث علمى ألا من حيث أنه يؤيد الأسلام ويعزه ويعلى كلمته ، فما لاءم مذهبهم هذا أخذوه ، وما نافره ، أنصرفوا عنه . أو كان القدماء غير المسلمين ، يهودا أو نصارى أو مجوس أو ملحدين ، تأثروا فى حياتهم العلميه بمثل ما تأثر به المسلمين الصادقين ، تعصبوا على الأسلام ونحوا فى بحثهم العلمى نحو الغض منه والتصغير من شأنه ، فظلموا أنفسهم وظلموا الأسلام وأفسدوا العلم وجنوا على الأجيال القادمة "
عزيزى القارئ ، هل نستطيع أن ننتهج هذا النهج ؟ مع العلم أنه لاسبيل أمامنا سواه لكى نعرف اسباب الأضمحلال والتردى والعفونة ، اللائى دفنا أنفسنا فيهم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق