الصفحات

الجمعة، 27 أغسطس 2010

مصطفى يا مصطفى

هواية "التسكع الحميد" في شتى ضواحي القاهرة وأحيائها عادة أصيلة لازمتني منذ أن سمحت لي أسرتي بالخروج منفرداً، لكن لا أدري لماذا ينتابني الشجن كلما ساقتني الأقدار للسير في المنطقة القديمة من حي مصر الجديدة، أو ضاحية "هليوبوليس"، كما كان يطلق عليها حين أسسها البلجيكي "البارون إمبان" صاحب القصر الشهير والفريد من طرازه المعماري، والذي أزعم أنه أحبّ مصر ومنحها أكثر مما فعل كثيرون من أبنائها المحسوبين عليها زوراً وبهتانا. أقصد بهذه المنطقة القديمة من "مصر الجديدة" تلك التي كانت تضم فندق "هليوبوليس هاوس" التاريخي، وكانت شرفته هي المكان المفضل للمطرب بوب عزام، حيث ظل سنوات طويلة يشدو هناك أشهر أغانيه "مصطفى .. يا مصطفى"، التي نسعى هنا للتنقيب عن جذورها، وسرّ انتشارها على النحو الذي تجاوز الحدود والثقافات، وسبب استمرارها منذ نصف قرن حتى اليوم. هذه الأغنية على وجه التحديد كانت حالة استثنائية في زمنها ، ليس فقط لأنها تشكل ثورة على مدرسة التطريب السائدة في مصر والشرق كله، والتي يبدأ فيها المطرب بالليالي والمواويل ـ مع احترامنا لهذا التراث الجميل بالطبع ـ حتى خرجت للنور أغنية "يا مصطفى .. يا مصطفى"، وكان لظهورها فعل الزلزال الذي نسف ثوابت كثيرة في الغناء الشرقي، ولعل الأكثر إثارة من أثرها الثوري هي تلك الظروف الغامضة التي أحاطت بالأغنية، فهناك من يؤكد أنها من بنات إبداع الفنان العبقري محمد فوزي، لكن ما حدث في تلك الأيام الخوالي، وربما حتى يومنا هذا ، أنها اشتهرت لحد الالتصاق بفنان اسمه "بوب عزام"، فمن هو "بوب عزام" هذا، وما قصته وأين اختفى بعد هذه القنبلة، وهل كان حقاً شقيق "داليدا" المطربة الفرنسية ـ المصرية الأصل التي ولدت في حي شبرا الشعبي بالقاهرة، وما حقيقة علاقته بالنجم الراحل رشدي أباظة؟ بوب عزام وأغنيته الاستثنائية "مصطفى .. يا مصطفى" .. الاستعراض الأصلي نبدأ بهوية بوب عزام، وهو مطرب مصري من أصل فلسطيني، اسمه الأصلي هو "جورج وديع عزام"، ولد في القاهرة يوم 24 أكتوبر 1925، وتوفي في إمارة موناكو يوم 24 يوليو عام 2004 ، وهو ليس شقيق "داليدا"، ولا تربطه بها أي صلة، لكن الالتباس هذا كان له سبب يبرره. السبب ببساطة هو أن شقيق "داليدا" كان اسمه برونو موري، وكان أول من انطلقت على أوتار حنجرته أغنية "يا مصطفى" لهذا حدث الالتباس لدى البعض بين موري وعزام، ومن المعروف أن برونو موري غادر مصر ليعمل مديراً لأعمال شقيقته "داليدا" ، وغير اسمه إلى أورلاندو . أما عن صلة عزام بالنجم رشدي أباظة، فقد كانا صديقين، غير أن أباظة "الدون الجوان" الذي لا يباريه أحد في "العشق"، أحبّ زوجة بوب عزام وبادلته هي ذات المشاعر، لكن رشدي أباظة "ابن الأصول" كان ـ رغم "شقاوته"ـ يرفض خيانة أصدقائه، لهذا طلب من زوجة بوب عزام أن تطلق منه أولاً، ثم تزوجها وأنجب منها ابنته الوحيدة (قسمت). داليدا في تسجيل نادر تغني .. "مصطفى .. يا مصطفى" ومازلنا مع أغنية "يا مصطفى يا مصطفى"، التي تجاوزت شهرتها الآفاق، وعبرت المتوسط لتصبح واحدة من أشهر الأغنيات في شتى أنحاء أوروبا، وخاصة في باريس "عاصمة النور"، وعرفت هناك باسم "شيرى جي تيم .. شيري جي تادور" أو بالفرنسية: Chérie je t'aime, chérie je t'adore . ظهرت الأغنية للنور لأول مرة عام 1960 وظلت ضمن أفضل 20 أغنية في انجلترا وفرنسا لمدة تزيد عن 14 أسبوعاً، كما وصلت للمركز الأول في فرنسا عدة مرات، ورقصت على أنغامها فاتنات إيطاليا. تجدر الإشارة هنا إلى أن بوب عزام أدى هذه الأغنية ضمن استعراضات في عدة أفلام مصرية أشهرها هو فيلم" الفانوس السحري" لإسماعيل ياسين، وفيلم "الحب كده"، من بطولة صباح وصلاح ذو الفقار. وفي وقت لاحق من ظهورها في السينما، انطلقت عشرات النسخ التي لا حصر لها من هذه الأغنية مترجمة إلى العديد من اللغات، بداية من الانجليزية والايطالية والتركية، ووصولا إلى اللغة الأوردية. الأغنية في فيلم مصري قديم اسمه "الحب كده .. بطولة صباح وصلاح ذو الفقار وبالطبع لم تكن "يا مصطفى" هي الوحيدة التي غناها بوب عزام ، فكانت له العديد من الأغنيات الناجحة الأخرى، غير أن نجاح "مصطفى .. يا مصطفى" تجاوز كل حدود الشهرة، إذ باعت الأغنية ملايين الاسطوانات ، وفي وقت من الأوقات ظلت معامل طبع الاسطوانات في فرنسا تعمل لمدة شهرين متتاليين في طبع الأغنية لتلبية طلبات الموزعين وإقبال الملايين على اقتناء تلك الأسطوانة. ونتيجة ظروف سياسية معروفة فقد هاجر كثير من المطربين الغربيين واليهود مصر إلى أوروبا، وتوجه بوب عزام إلى إيطاليا، وهناك أسس فرقته الخاصة، واحترف الغناء باللغات الايطالية والانكليزية والعربية أيضاً، وحصل على كبرى الجوائز ، لكن لكل شئ إذا ما تمّ نقصان، كما يقول الشاعر العربي. ومع تقدمه في السنّ، وتغير الذوق العام والمزاج الغنائي في كافة أنحاء العالم، بدأ نجم بوب عزام في الأفول، وتراجعت شهرته تدريجياً، غير أنه في أواخر أيام حياته اشترى ملهى ليلياً في مدينة "جنيف" السويسرية، وظل يغني فيه مع آخرين حتى وفاته عام 2004 . النسخة الهندية من "مصطفى .. يا مصطفى" .. مع استعراض رائع عودة إلى حي مصر الجديدة أو "ضاحية هليوبوليس" مجدداً، لنختتم بها، إذ أن من تربوا في هذه الضاحية يشعرون بخصوصيتها الحضارية، فهي ليست مثل الزمالك أو "جاردن سيتي"، أو المعادي القديمة، فهذه "أحياء الأجانب" إذ تتخذ منها البعثات الدبلوماسية الأجنبية مقاراً للسفارات والقنصليات والإقامة أيضاً. كما أن ضاحية "هليوبوليس" لا تنتمي إلى القاهرة الفاطمية أو المملوكية أو القديمة عموماً، فهي ضاحية عصرية أسسها البارون إمبان وفق مخطط معماري كان في زمنه هو الأكثر رقيّاً وحداثة. هذا الشغف بضاحية "هليوبوليس" له ما يبرره، فهي منطقة سكنية متسامحة ومنفتحة على العالم منذ نشأتها، فالذي أسسها بلجيكي وقع في غرام مصر هو "البارون امبان" كما يعرف الجميع، وقلما تجد حيّاً آخر في القاهرة لازال يحوي بقايا التنوع والتجانس بين المصريين والجاليات الأجنبية التي عاشت في مصر وكادت تنقرض أو لعلها انقرضت بالفعل. واللافت أيضاً أن ضاحية "هليوبوليس" اتسعت لكنائس من شتى الطوائف المسيحية، فلم تكن ـ كغيرها ـ حكراً على الكنيسة المصرية "القبطية الأرثوذكسية"، فضلاً عن وجود معبدين لليهود ـ على الأقل ـ فيها، ناهيك عن عشرات المساجد ذات الطراز المعماري الفريد .. باختصار كانت ضاحية "هليوبوليس" أيقونة مصر الليبرالية المتسامحة المتصالحة مع شتى الثقافات والأديان والمذاهب والأجناس. "مصطفى .. يا مصطفى" لم تزل حيّة .. شاهدها بصوت المطربة اللبنانية الشابّة "ريدا بطرس راحت أيام فندق "هليوبوليس هاوس"، وجرت في النيل مياه كثيرة، تبدلت معها الأسماء والأزمان والعادات والأذواق.. وكل شئ تقريباً، لكن يبقى القول إن تحفة فنية مثل "مصطفى .. يا مصطفى"، لم تكن مجرد أغنية حظيت بشعبية جارفة في شتى أنحاء العالم، بل كانت "ثورة" حقيقية على كل معايير الطرب التقليدية. وشكلت هذه الأغنية الإرهاصة الأولى لما بات يعرف الآن بفن "الفيديو كليب"، وأطلقت الأغنية الشرقية من سجون القوالب التي أنهكت أذن متذوقين الموسيقى بغضّ النظر عن جنسيتها، فدائماً كانت الفنون "كونية" ولغة عالمية، وطالما ساهمت في لملمة جراح ملايين البشر، ونجحت في جمع من فرقتهم السياسة. وحتى نلتقي مع قطعة أخرى، نعدكم بالتنقيب عن كل أصيل .. وجميل. للمزيد "مصطفى.. يا مصطفى" .. حين تجمع الأغنية ما فرقته السياسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق